القاضي النعمان المغربي
70
تأويل الدعائم
دون الآخر بل يجب الإقبال عليهما معا لأنه لا يصح أحدهما إلا بالآخر . وقوله وما أتى اللّه عبدا علما يعنى من العلم الحقيقي علم الباطن ، فازداد للدنيا حبّا أي ازداد حبه للظاهر وإعراضه عن الباطن إلا ازداد اللّه تعالى عليه غضبا ، يعنى بإقباله على الظاهر وحده وحبه إياه دون الباطن ، وقد فرض اللّه عليه اعتقادهما جميعا والإقبال عليهما معا ، فإذا أقبل على أحدهما دون الآخر فقد خالف ما أمر اللّه عز وجل به . وأما ما جاء في كتاب الدعائم من قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم » ، وما ذكر مع ذلك أن ليس المراد بأصحابه كما زعمت العامة كل من صحبه لأنهم قد اختلفوا من بعده واقتتلوا ، فلو كانوا هم المراد بذلك لكان المقتدى بأحدهم مباحا له قتل من قاتله ، لأنه قد اقتدى بأحدهم وبجماعة معه منهم ، وكان أيضا للطائفة الأخرى مثل ذلك ، فالمراد بأصحابه الذين أمر بالاقتداء بهم وبكل واحد منهم الأئمة من ذريته صلى اللّه عليه وسلم فهم أصحابه الذين صحبوه على أمره ونهيه واتبعوه على ما جاء به ، وتلك هي الصحبة الحقيقة فأما الصحبة في ظاهر الأمر بالأبدان فليست مما يوجب فضل المصحوب للمصاحب وقد يصحب المؤمن الكافر ، والبر الفاجر ، قال تعالى حكاية عن صاحبين مؤمن وكافر : « وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً » « 1 » والعالم بالحقيقة هو اللّه وحده لا شريك له إذ هو العالم بذاته وكل من يدعى عالما من دونه فعلى سبيل المجاز يدعى عالما ، وهم في ذلك درجات فمن علمه اللّه ما شاء من علمه ، فهو عالم لما علمه بحقيقة التعليم ومعلم بتعليم اللّه إياه كما قال لرسوله صلى اللّه عليه وسلم : « وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً » « 2 » ، ومن علمه الرسول صلى اللّه عليه وسلم مما علمه اللّه فتعلم ما علمه على سبيل الواجب فهو عالم بحقيقة التعليم كذلك قال : « كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ
--> ( 1 ) سورة الكهف : 38 . ( 2 ) سورة النساء : 113 .